محمد بن جعفر النرشخي

76

تاريخ بخارى

فقال حيان : حين ينشغل العسكر بالحرب وتشتد المعركة . ففعلا كذلك ، فلما حمى الوطيس قابل حيان النبطي طرخون وقال : لقد ذهب عنك الملك وأنت لا تدرى ! قال : وكيف ؟ فقال : نحن نستطيع أن نبقى هنا ما دام الجو حارّا ، والجو الآن بارد وقد آن لنا أن نرحل ، وما دمنا هنا فإن هؤلاء الأتراك يحاربوننا ، فإذا ما ذهبنا من هنا يحاربونك لأن ولاية السغد مكان جميل ولا مثيل له في الدنيا جمالا ، فكيف يتركون لك السغد ليرحلوا إلى التركستان ؟ وتبقى في عناء ويأخذون ملكك . فقال طرخون : وما حيلتي ؟ قال : تعقد صلحا مع قتيبة وتعطيه شيئا وتظهر للترك بأنه قد وصل لنا جيش عظيم عن طريق كش ونخشب مددا من الحجاج ، وتقول لهم إني عائد ليعودوا هم أيضا ؛ فإذا ما عقدت معنا الصلح وأخذت منا العهد لن نريد بك سوءا ولن نؤذيك وتخرج أنت من هذا العناء . فقال طرخون : لقد أحسنت نصحى ، فلأفعل هكذا ، سأعود الليلة . فلما أقبل الليل بعث طرخون بشخص إلى قتيبة واصطلح وأرسل مالا قدره ألفا درهم ونفخوا في البوق وذهبوا ، فقال الدهاقين والأمراء ماذا حدث ؟ فقال : حذار تنبهوا - فقد بعث الحجاج بعسكر عظيم من ناحية كش ونخشب ليأتوا من خلفنا ويحيطوا بنا ، وإني عائد إلى ولايتي . فبعت كورمغانون التركي بشخص وسأل الخبر فأخبروه بهذه الحالة ، فنفخ هو أيضا في البوق وعاد ، وكانوا ينهبون الولاية ويمضون ، فصرف اللّه تعالى هذا البلاء عن المسلمين . وقد بقي قتيبة في شدة أربعة شهور لم تصل فيها أخباره هو وأصحابه إلى الحجاج ، وكان قلب الحجاج مشغولا من هذه الناحية وكانوا في المساجد يتلون القرآن ويقيمون الختمات « 1 » ويدعون الدعوات ، وعاد قتيبة وأصحابه إلى بخارى . وكانت هذه المرة الرابعة التي جاء فيها إلى بخارى وحارب وأخذ الأموال ونهب جانبا من الولايات وقتل بعضا وأسر بعضا واسترقهم . فكان يذهب إلى مرو ويعود إلى ولاية بخارى حماها اللّه تعالى من جميع الآفات والبليات .

--> ( 1 ) أي يقيمون المجالس التي يقرأ فيها القرآن من أوله لآخره ، ويقال للمصحف بأكمله في قرانا المصرية « الختمة » ويقرأ الريفيون كذلك القرآن كله في بعض المناسبات ويقال في ذلك إنهم عملوا ختمة أي سهروا ليلة قرأوا فيها القرآن من أوله لآخره ووزعوا الصدقات . وفي التركستان وأفغانستان وتركية والهند والحجاز يختم المسلمون القرآن في ليالي شهر رمضان وهم يصلون صلاة التراويح وذلك في أيام معدودات ويسمى ذلك « ختم » أيضا .